ابن كثير
162
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
مكروه وامتحان . وقوله تعالى : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ، معناه : وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون وخرجتم مع موسى عليه السلام ، خرج فرعون في طلبكم ففرقنا بكم البحر كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلا كما سيأتي في مواضعه ، ومن أبسطها ما في سورة الشعراء إن شاء اللّه . فَأَنْجَيْناكُمْ أي خلصناكم منهم وحجزنا بينكم وبينهم وأغرقناهم وأنتم تنظرون ، ليكون ذلك أشفى لصدوركم وأبلغ في إهانة عدوكم . قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله تعالى : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ - إلى قوله - وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ، قال : لما خرج موسى ببني إسرائيل ، بلغ ذلك فرعون ، فقال : لا تتبعوهم حتى تصيح الديكة ، قال : فو اللّه ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا ، فدعا بشاة فذبحت ، ثم قال : لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط [ فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط ] « 1 » ، فلما أتى موسى البحر قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون : أين أمرك ربك ؟ قال : أمامك ، يشير إلى البحر ، فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغمر ، فذهب به الغمر ، ثم رجع فقال : أين أمر ربك يا موسى ؟ فو اللّه ما كذبت ولا كذبت ، فعل ذلك ثلاث مرات . ثم أوحى اللّه إلى موسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ ، فضربه فانقلق ، فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ يقول : مثل الجبل - ثم سار موسى ومن معه ، واتبعهم فرعون في طريقهم حتى إذا تتاموا فيه أطبقه اللّه عليهم ، فلذلك قال : وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ . وكذلك قال غير واحد من السلف كما سيأتي بيانه في موضعه . وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عبد اللّه بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس ، قال : قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء ، فقال : « ما هذا اليوم الذي تصومون ؟ » قالوا : هذا يوم صالح ، هذا يوم نجى اللّه عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم ، فصامه موسى عليه السلام ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أنا أحق بموسى منكم » فصامه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأمر بصومه « 2 » . وروى هذا الحديث البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من طرق عن أيوب السختياني به نحو ما تقدم « 3 » . وقال أبو يعلى الموصلي : حدثنا أبو الربيع حدثنا سلام يعني ابن سليم عن زيد العمي عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « فلق اللّه البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء » وهذا ضعيف من
--> ( 1 ) الزيادة من الطبري 1 / 315 . ( 2 ) مسند أحمد ( ج 1 ص 291 ) ( 3 ) وأخرجه البخاري ( صوم باب 69 ، وتفسير سورة 10 باب 1 ) . ومسلم ( صيام حديث 126 ) وابن ماجة ( صيام باب 41 )